( 1 )
المقامة العفريتية
حدثنا الحاذق بن وهمان ، فقال : كنت وأنا في عمر الشباب .. منشغل عن العمل بمراودة الأحباب ، أسلك مسالك الذئاب .. فتفتح لي الأبواب ، لأبلغ المراد .. حيث الغِيد و الحسان للطالبين تنقاد .. والجميلات بالعشق والهوى تصاد ، وبحلو الحديث والاطراء تتبدل الأفكار والمشاعر، فتنأى النساء عن المواني لتركب البواخر
وكما قال الشاعر :
ان النساء كأشجار خلقن لنا منها المرار وبعض المر مأكول
ان النساء متى ينهين عن خَلْق فانه واجب لابد مفعول
فاذا غُلّقت عليهن الأبواب ، ووضعت لهن قواعد الحساب ، فتحن للهوي ألف طاقة وشباك ، ليدخل منها العشاق ، ولما كنت أنا حاذق ، فقد طرقت دروب الهوي والمسالك ، وقد كنت معني بالعياقة .. مجيد لفنون اللياقة .. أحسن الحديث بطلاقة ، في مسائل العشق والهوى والوصال ..فلا يكسر النصال غير النصال .
..حتى سمع بي العباد .. وجاوزت أخباري البلاد.. وتناوله السواد ، وتناقله الاوغاد حتى بلغ" وهمان " أبي أمري .. وما يكون مني بليالي سُكري وسمري ، وطلبني ذات يوم .. يؤنبني عتابا ولوم.. على السهر دون النوم .. واللهو والانبساط في ليالي العشق .. والانخراط في الفسق ..وعمد الى احراجي .. بأن قرر زواجي ، ليقطع علي الطريق ..فأهجر كل حسناء وكل صديق .. فأجبته وأنا في يأس الغريق :
والله يا أبت أُصْدِقك الخبر
لقد تُيمت من النساء بالحسناء
وقد ملكن مني القلب والأحشاء
ولا أظن لناري وأُوارها البراء
الا أن تكون حليلتي خير النساء
وان لم تدَع لي يا أبت الخيار
لطرقت بابهن ولو بليلة الحناء
فدائي أبا الحاذق ليس له دواء
غير بنات الفرنسيس الناهدات البيضاوات
بعيونهن الزرق وشعورهن الصفراء
ففهم الرجل حالتي .. ووافقني الى رغبتي وغايتي ،وليس يدري بالأمر غير خبير في محاسن النساء والتدبير، وقال لي : من الغد الى البر الشرقي نذهب..حيث بنات لويس" هن لك المأرب ، وسوف نبحث عن غايتنا بالأُسَر فقد كان هناك ُأِسر ."
وقد سافرنا في الصباح .. ننشد الصبايا الملاح ، حتى رست مراسينا بقرية شرباس المعمورة وهي احدى قرى المنصورة ، وكان لأبي فيها صديق .. يدعى الشيخ عبد المهيمن عتيق ، فذهبنا اليه في داره .. وأنا بين المتردد والكاره.. فقد كنت اريدها متفرنجة.. ترتدي من الثياب أقصره .. ومن القماش أضيقه .. تظهر المفاتن .. في كل الزوايا والأماكن ، وروى أبو الحاذق للرجل الحكاية .. وأبان له المطلب والغاية ، فاذا الشيخ يطيل الضحك .. ويبدو عليه العجب .. وأطال التفكير والتأمل والتدبير ، ثم قال : يا أبا الحاذق قد انقلبت خير منقلب ، فلك عندي ما رجوت من طلب ، لكما عندي صبية .. كالليلة الندية ..هي ابنتي واسمها سمية .. ودعى الفتاة الى المجلس وطلب منها أن تجلس .
فألفيت منها ما الفيت من عَجَزِ
تصاغ فيه قصائد العشق بالرَجَزِ
عيونها كالسماء في ليالي الشتاء
وشعرها كسلاسل الذهب الابريْزِ
وقدها يالقدها من فتنة تصبو
اليها صنوف الشوق والعوزِ
اذا وكزت منها فتنة خلتها
تنادي المفاتن زدني من الوكزِ
لها وجنات ليس تحرمها
يفيض منها العز بالأوزِ
فقلت تالله بالله يا أبت
زوجني سمية في الحال والنجز.
وخلال أيام قليلة .. كانت سمية في داري حليلة .. أنهل من هواها دجلة ونيلا ، وألثم الخد والخالا .. وأطعم من صنع يديها بسبوسة وبليلة ، وكان لسمية شقيقة غير مريحة وكان اسمها سميحة .. كانت فظة الطباع.. قليلة الانصياع .. أراها تعمد للايقاع بين الأليفين بالمكائد .. فعرفت ما سوف منها أكابد ، وكانت تختلي بسمية كلما غبت لحاجة .. وكلما عدت لمحت عليها اللجاجة ، فتكثر في طلب الهدايا .. فأفهم تلك النوايا .. واعرف أنها نصائح تلك السميحة .. التي تأكل صدرها الغيرة فتكثر لها النصيحة ، وكنت لا أجيب لسمية ماتطلب .. وأنا أعرف أنه من سميحة مقلب ، رغم أني ما قصرت في حاجة حليلتي .. وشريكة فرشتي .. أحمل لها كل يوم هدية .. واجيئها كل ساعة بعطية .. فقد كانت عشرتها - والحق أقول - هنية ، وذات ليلة شتوية عدت الى داري .. أنشد الدفء الجميل .. في ضي القناديل كما يقول العندليب صاحب الحس الأريب .
واحلم بسمية أمامي ترقص وتميل .. فيحلو الأنس والتقبيل ، واجمع في سمري ولهوي مابين الخيّام والنُواسي .. فترسو سفيني المراسي ..وأمزج الواقع بالأماني .
وما أن دخلت الدار ..من بعد لأي وانتظار ، حتى ألفيت سمية يحار في أمرها .. من امتطى الهواء وركب البحار كلها ، ترتدي قميصا بلا أزرار .. وتلبس في قدميها السوار .. كما تفعل الجواري .. حاسرة الركبتين .. رافعة الى السماء اليدين ، ترقص على أنغام الجاز ..فتهتز منها الثنايا والأعجاز .
فقلت لها : ماهذا يا امرأة ماذا أصاب عقلك ، وما سر خبلك .. والطقس اليوم بارد لايقوى على العري فيه جان ولا مارد ؟
فقالت في صوت مبحوح نبرته بين أصوات النساء والغلمان :" شوف ماي دير دونت سبيك هير .. آي وونت ثري فستان ، و تو باجز وشوز كمان .. وهلق للودان .. و سكس شوميز ستان .. أور تبات آلون بردان ".
قلت : فمن أملى عليك الشروط ياسمية
قالت:" آي آم نوت سمية ، آي آم نوت يور وايف ، ماي نيم اذ جوزيف ".
قلت: وما جاء بك يا"جوزيف " في داري.. لتخلو في غيبتي بحلالي ؟
قالت:" آي آم نوت مان ، آي آم ذي كينج أوف جان" .
قلت : ومن قال لك يا"جوزيف " يا ملك الجان أن رجلا مثلي يقبل أن يهان ، فتنتهك حرمات دوره .. في غيبته أو في حضوره !!
وأخذت خرطوم المياه .. فما وجدت سواه .. وجعلت أجلدها وأذيقها أذاه .. على جسدها العاري .. جلدا لم تشهده الجواري ، حتى صارجسدها ألوانا .. وقد بلغ صراخها الجيرانا .
وهي في ألمها ووجعها تقول : لماذا تضربني يا حاذق ؟
فأقول : كلا يا حبيبتي .. ياقدري وقسمتي .. وشريكة فرشتي .. يا كل آمالي .. وأم عيالي ، أنا لا أضربك ولا أؤذيك .. بل أضرب هذا الجوزيف المارق ..الذي سقط علينا من حالق ، من جاء يهتك سترك .. ويتحكم في عقلك وفكرك .. فأنا أجلده لأفك عنك أسرك ، ووالله ان رأيته ثانية .. لأقطعنه تقطيعا .. وأقضي عليه قضاء مريعا .. ولأن حدث يوما وعاد .. لألقينه بسكين حاد .
ومن تلك الساعة والليلة والطريحة .. ما أعطت سمية أذنا لسميحة .. ولاسمعت منها نصيحة ، وهكذا انقادت لي زوجتي .. وعرفت عني شهامتي ، وفهِمَت أن ليس تقبل كرامتي .. أن يركب عفريت أو عفريتة زوجتي ، فتقنع بما أجلبه لها من هدايا.. وبذلك خلصت النوايا.. وأيقنت سميحة .. أن لن تسمع لها يوما نصيحة .












رد مع اقتباس











