nourdine — يونيو 23, 2008, 1:31 ص

لوركا

لوركا

غرناطة – نورالدين بالطيب

لوركا ….شاعر يختزل إسمه العبقرية الأندلسية التي كانت نموذجا للتمازج الثقافي بين العرب و الثقافات الأخرى خلال ثمانية قرون حكم فيها العرب الأندلس و أضاءوا قناديل المعرفة في ظلام القرون الوسطى الأوروبية .

وعندما تذهب الى أي مقاطعة أسبانية مثل مدريد أو كتالونيا أو غاليسيا أو الباسك أو فلنسية أو غير ذلك من المقاطعات السبعة عشرة ذات الحكم الذاتي ،عندما تذهب الى هناك لا يمكن إلاّ أن تستحضر لوركا الذي كان ضحيّة فاشية فرانكو الذي حكم أسبانيا بالحديد و النّار و أشعل حربا أهلية دامت خمس سنوات و كان من أبرز ضحاياه لوركا الشّاعر و الكاتب المسرحي و الرّسّام و عازف البيانو و القيتار الأندلسي .

و إذا قادت الصّدفة أو الإلتزامات المهنية لزيارة مدن الأندلس مثل غرناطة أو قرطبة أو مايوركا أو ملقا فلا مهرب لك من زيارة بيت لوركا في ضواحي غرناطة فلا أحد يعرف قبر لوركا الذي قتل بطريقة وحشية ليبقى حادث إغتياله فضيحة في تاريخ أسبانيا و أوروبا بشكل عام .

في صباح ربيعي أندلسي حملتني حافلة نقل عمومي من إحدى محطّات غرناطة الى قرية فونيتا فايبروس التي ينسى إسمها عادة لأنّ أسم لوركا غلب على إسم القرية التي لا تبعد عن غرناطة أكثر من 30 كلم و يتطلّب الوصول إليها حوالي نصف ساعة ،طريق تشقّ بساتين البرتقال و اللّيمون ،وجوه فلاّحين كأنّني أعرفها في القرى الأندلسية في بنزرت أو الوطن القبلي يكفي أن تسأل أحدا عن قرية فونيتا فابيروس ليعرف أنّك ذاهب الى لوركا .

في الحافلة كنت أستحضر القصيدة التي كان لوركا يردّدها دائما حسب شهادات أصدقائه و هي من التراث الشعبي الأندلسي

‘في البستان

سألقى الموت،

سأكون قتيلا

قرب شجيرات الورد

كنت ماضيا ،أمّاه

لأجني الورود

وفي البستان

لقيت الموت’

هل كان لوركا تنبأ بموته لأنّه مات بنفس الطريقة التي تخيّلها مات في البستان قرب شجرات الورد عندما إستدرجوه و أطلقوا عليه الرّصاص

في كل شوارع القرية الصغيرة و مقاهيها و محلاّتها صور و قصائد و نصوص للوركا في الحدائق و المحطّات و بمجرّد وصولك الى محطّة الحافلات تجد إشارة بارزة تدلّ الزّائر على بيت لوركا الذي تحوّل الى متحف منذ سنة 1986 و للدخول الى هذا البيت المتحف الصّغير لا بد من موعد لأنّ البيت صغير و لا يتّسع للزائرين لذلك عليك أن تنتظر لساعة أو ساعتين حتّى يكون بإمكانك الدّخول بعد دفع يورو و نصف .

لا توجد أيّة و ثائق عن لوركا في هذا المتحف خارج اللّغة الأسبانية و كأنّ لوركا ليس ملكا للعالم أمّا مسؤول المتحف فلا يتحدّث بغير اللّغة الأسبانية و لا يوجد أي تفسير بأي لغة أخرى ممّا يجعل الإستماع إليه غير ذي جدوى .

في البيت كل شئ كما كان في حياة لوركا حتّى السّرير الذي ولد عليه مازال كما هو و البيانو الذي كان يعزف عليه و يؤلّف به مقطوعاته الموسيقية لمسرحياته و كذلك المطبخ و مهده عندما كان رضيعا و قاعة الجلوس و فناء البيت و البئر الذي يتوسّط الحديقة و التمثال الصّغير الذي أنجزه أحد أصدقائه لتخليد ذكراه .

في الطّابق العلوي للبيت مكتبة تضمّ بعض مخطوطاته و كتب عنه و معرض يفسّر حياته و تسجيل مرئي نادر يظهر فيه لوركا ممثّلا عندما كان يجوب القرى و المدن الأسبانية مع فرقته التي أسّسها و كان أسمها

La barraca

ولد لوركا في 5جوان 1898 و قتل في أوت سنة 1936 و كانت حياته رحلة مع المسرح و الكتابة التي كان يستلهمها من الأغاني الشعبية للغجر و كان يكتب دائما أنّه يريد أن يكون قريبا من النّاس لذلك أسّس مهرجان الأغنية الشعبية لجنوب أسبانيا و قال عن نفسه ‘كان أبي مزارعا غنيّا و خيّالا ماهرا و تنحدر أمّي من أسرة عريقة’

و هو الأبن الأكبر للعائلة عانى من مرض في طفولته أقعده عن المشي ممّا نمّى لديه القدرة على التخييل و كان يقضي معظم الوقت مع الفلاّحين و مع الخدم و يستمع في إنتباه لأغانيهم و أهازيجهم سواء في بيت القرية أو في البيت الصيفي مزارع غرناطة الذي تحوّل الى متحف أيضا و حديقة عمومية .

في شبابه إشترى مسرحا للعرائس في غرناطة و صدر كتابه الأوّل ‘كتاب ألأشعار’ سنة 1921 و ديوانه الثّاني كان عام 1927 بعنوان ‘أغان’ و سنة 1920 عرضت مسرحيته الأولى ‘رقيّة الفراشة’في مدريد و عرف النجاح مع مسرحية ‘مارينا بينيدا’سنة 1927.

في صيف 1929 سافر الى نيويورك بعد إنقطاعه عن الدراسة الجامعية التي أدرك أنّها لن تضيف له شيئا قياسا بالشّعر و المسرح و حاول تعلّم الأنقليزية في الولايات المتحدّة الأمريكية و كتب قصائد في هذه المرحلة صدرت فيما بعد بعنوان ‘شاعر من نيويورك’كما أقام في كوبا التي كان يقول عنها ‘ذات الشّمس المحرقة’ .

بعد عودته من نيويورك عرف لوركا أوج عطائه و مجده فكانت مسرحية ‘زوجة الأسكافي’سنة 1930 و مجموعة شعرية ‘قصيدة الأغنية العميقة’ و سنة 1933 قدّم أشهر مسرحياته ‘عرس الدّم’ و عام 34 ‘يرما’ و عام 35 ‘لغة الزّهور’و ‘ديوان التماريت الذي إستلهم قصائده من مصرع صديقه مصارع الثيران سانشيت ميخياس .

و ضاعت مخطوطة ديوانه ‘نجوى الحب المحزون ‘ في الحرب الأهلية الأسبانية .

عندما عدت من قرية لوركا و بيته الصيفي كنت أسأل نفسي لماذا يحتفظ الأسبان و الأوروبيون بشكل عام بكل تفاصيل حياة مبدعيهم و يخصّصون لها  المتاحف في حين يموت المبدع العربي في الحياة و الموت فشاعر مثل البياتي مثل الذي كان من علامات الشّعر العربي الحديث مات دون ذكرى و كأنّه لم يكن بالمرّة و هو ليس الوحيد على طول الخارطة العربية .

إنّ الذاكرة العربية إعتادت النسيان لذلك لا نجد متاحف تضاهي متحف لوركا إذا إستثنينا طه حسين و أم كلثوم أمّا نزار قباني و البياتي و السيّاب و الماغوط و الطّاهر الحدّاد و غيرهم عشرات فليناموا الى الأبد في النسيان و تلك هي إحدى حكم الثقافة العربية!

nourdine — , 1:11 ص

مرحباً بك في مدونتك الجديدة من رتوش!

أهلا بك في
مدونات رتوش.
هذه هي مشاركتك الأولى .. يمكنك تعديلها أو حذفها ثم البدء في التدوين!